أزمة الهوية

أزمة الهوية
أزمة الهوية

د. غسان صالح عبدالله

من ابشع ما افرزته ثقافة الغرب هو سرقة الإبداعات السورية في مجالات العلوم والتكنولوجيا بوجه خاص وإلصاقها زيفا بمبدعين من بلدانهم وتصفية المبدعين السوريين جسديا ولولا أن السوريين عمدوا إلى تخليد إبداعاتهم بإطلافهم عليها تسميات سورية سريانية لما بقي ما يدل على أي اثر لهم ولم يكتفوا بتدمير المبدعين السوريين وكل ما يدل على وجودهم فعمدوا إلى إحضار العشرات من السوريين في إسبانيا واتو إليهم بتلال من الكتب السورية من أجل أن يعيدوا نسخها ويزوروا محتواها ويبدلوا كل ما هو في صالح السوريين إلى هجاء وشتائم وذم. وقد أحرق براربرة آسيا المكتبات السورية والعربية وألقى التتار كتبها كاملة في مياه نهر دجلة ، لكن الهمجية التي افرزها برابرة أوربا تفوقت على اية همجية اخرى عرفها تاريخ البشر.

. في الوقت الذي دمر فيه الخارج صورة الأمة التاريخية ومزق وحدتها القومية وأخضعها لكل أنواع الاحتلال وأنكر عليها هويتها القومية بعد أن زور تاريخها وعمم هذا التزوير عن طريق مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام والسياحة جاء المثقف السوري والعربي عموما يدرس ويعلم ويحاضر في هذا الفكر المشوه والمزور والبعيد كل البعد عن تاريخنا، وظل المثقفون ملتزمون بما ألزمهم به الغرب من تزوير ولم يحركوا ساكنا وأصبحوا جميعهم مهزومين في داخلهم ولم يتصدوا يوما لاسترجاع هويتهم الثقافية والحضارية السليبة ويظهرون كل ذكائهم في خلق الأعذار والمبررات.

. إن دوائر الاستعمار الغربي إدراكا منه ما للتاريخ من دور توحيدي ونضالي في أية لحظة ينمو فيها الجدل منحى الصراع فقد عمدت إلى تسديد سهامها نحو صدر التاريخ القومي للعالم العربي عموما لتعمل فيه تشويها و تمزيقا وتزويرا بازلة كل ما تستطيع لمحو الذاكرة وتشويه الهوية من خلال تشويه الأمة الثقافية والحضارية في التاريخ. وعمدت إلى تقطيع الجسد التاريخي للامة بكل عروقه البشرية وأنساقه الثقافية والحضارية افقيا وعموديا، وتم بتر التاريخ السوري عن ماضيه الحضاري العريق وصار ما يعرف ب( جاهلية ما قبل الإسلام) هو بداية هذا التاريخ ، وقد الغي الوجود الحضاري والثقافي لعالمنا بكل كثافته الكمية والنوعية المشهودة آثاريا والمدونة كتابيا لعدة آلاف من السنين وهذا ما فتح الباب واسعا امام كل مدعٍ بالثقافة والارض معا وترك الساحة خالية امام التزوير لطمس هويتنا فألغى اسم سورية كلها من التاريخ لتحل محلها عشائر التوراة البدوية الرعوية اشد عشائر برية العرب تخلفا.

. إن جهل النخبة المثقفة بتاريخ أمتها واعتمادهم النقل بعد أن عطلت العقل وكأن ليس في الأمر كله ما يهمها ، بل اصرت على ما اخذته في ثقافتها من تزوير وهؤلاء نصطدم معهم يوميا ادى الى نتائج سلبية منها:

١) عدم قدرة المثقف على استيلاد الماضي الذي يجهله استيلاءا تجدديا في لحظة الحاضر مما خلق الارضية الزائفة لنشوء أزمة زائفة أطلق عليها اسم ” ازمة الهوية”.

٢) انقطاع المثقف عن معرفته التاريخ الصحيح لأنه أفقده المصداقية وجعله جزءا من الواقع العربي المتردي . ومن لم يعرف تاربخه الصحيح سوف يبقى عديم القدرة على البناء على واقع ليس فيه نظرة واسس، وبالتالي سوف يبقى يقتات على المفاهيم الوافدة إليه والمنتجة حسب واقع آخر مغاير.

وقد درج مثقفونا على الخوض بثقافة في الغالب هي مسبقة الصنع وترد إلينا مثل كل السلع الإستهلاكية الأخرى..

لذلك فقدنا هويتنا الثقافية وبات من يتاثر او مضطلع على تاريخ أمته يعيش محنة العقل في زمن طوفان التردي الثقافي والأخلاقي وضياع الهوية، واصبح عرضة للهجوم من اولئك الذين تأدلجوا على ثقافة الغرب بعيدا عن ثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *