كتبت /إكرام بركات
نحن الأن في شهر ربيع الأول وهو شهر فضيل حيث ولد فيه سيد الخلق وأشرفهم أجمعين
سيدنا محمد صل الله عليه وسلم ومع حلول الذكري العطرة و رفعة وسمو قدر من نحتفل به نبينا ورسولنا الكريم
سوف أسرد لكم قصص عن محاولات سرقة جسد النبي الكريم و لقد روت لنا كتب التاريخ الإسلامي محاولات عديدة لسرقة القبور الثلاثة المتجاورة
في الحجرة النبوية الشريفة و لقد كان الغاية الأكبر بينهم سرقة جسد النبي محمد صل الله عليه وسلم..
يذكر لنا المقريزي في كتابه ” السلوك لمعرفة دول الملوك” نص يذكر به أن أولى المحاولات حدثت في بداية القرن الخامس الهجري ،
العاشر الميلادي وقد كانت المحاولة بإشارة من الحاكم العبيدي الفاطمي و هو “الحاكم بأمر الله”،
أنه قد أمر أحد قادة جنوده ويدعى أبو الفتوح، أن يقوموا هو و جنوده بسرقة جسد النبي وذلك لنقله إلى مصر،
و قد تحرك من مصر جيشًا يقوده أبو الفتوح وانتهت بريح أُرسِلت كادت تزلزل الأرض من قوّتها،
فعَرَف أبو الفتوح أن المحاولة كانت على خطأ فرجع إلى مصر تائبًا نادمًا و أعتزل الناس راغبًا بالغفران..
أما المحاولة الثانية و قد وردت أيضًا بإشارة من الحاكم العبيدي الفاطمي “الحاكم بأمر الله”،
إذ أرسل ناسًا من أتباعه الأقرباء و المخلصين لدعوته فسكنوا بدارٍ قريبة للمسجد النبوي،
وحفروا تحت الأرض نفق عميق يبغون به أن يصلوا إلى القبر الطاهر الشريف فاكتشف النّاس أمرَهم بعدما وجد بعضهم دلائل الحفر
فقتلوهم جميعًا و علقوا على أبواب المدينة ثم دفنوا بعد ذلك .
أما المحاولة الثالثة فكانت قد خطط لها بعض ملوك الفرنجة القدامى ، نفذها اثنان من المسيحيين المغاربة سنة 557 هـ و ذلك في عهد سلطان الشام نور الدين زنكي،
وتذكر لنا كتب التاريخ أن السلطان نور الدين زنكي قد رأى في منامه النبي محمد صل الله عليه وسلم يخبره بأمر هذين الرجلين،
فقدم السلطان إلي المدينة المنورة، وبدأ بالبحث عنهم حتى اكتشف أمرهم وكانا يحفران سردابًا يصل إلى الحجرة كما فعل رجال الحاكم بأمر الله
فأمر بهما فقُتلا و بعد تلك الواقعة أمر السلطان نور الدين زنكي بحفر خندق ذو حجم كبير يصب فيه الرصاص المنصهر حول القبور الثلاثة
على عمق عظيم منعًا لأي محاولة سرقة أخرى عن طريق حفر سرداب تحت القبور الطاهرة..
و لقد رويت تلك الحادثة كما الآتي :
إنه في عام 557هـ حفر الملك العادل نور الدين زنكي سلطان الشام، خندقًا حول الحجرة الشريفة،
وصب فيه الرصاص المصهور للحيلولة بين جسد النبي الشريف ومن يريد الوصول إليه ،
و لقد كانت محاولة هؤلاء النصارى سنة سبع وخمسين وخمس مائة،
و كانت حكاية كشفهم برؤيا رآها الملك الصالح الشهيد نور الدين محمود زنكي بالشام ،
وكان لهذا الملك ورد و قيام من الليل ويصلى حتى الفجر وينام،
فنام ليلة بعد تهجد و قرأة القران فرأى النبي صل الله عليه وسلم وهو إلى رجلين أشقرين و هو يقول لنور الدين زنكي: أنقذنى من هذين،
فاستيقظ السلطان فزعًا ليلتها فتوضأ مرة أخرى وصلى ركعتين ثم نام فرأى الرؤيا نفسها أيضًا ،
فقام وتوضأ وصلى ركعتين ونام،
فرأى نفس الرؤيا و بعد المرة الثالثة قال: لم يبق لي نوم، فقام في الحال إلى وزيره الأول جمال الدين الموصلي وأخبره بما قد رأى،
فقال له: حدث شيء بالمدينة أرى أن تكتم ما رأيت ونخرج الآن إلى المدينة فخرج بعشرين من القادة صحبة الوزير ومعه أموال كثيرة،
وقبل دخول المدينة اغتسل ودخل المسجد وصلى في الروضة وزار،
ثم جلس في المسجد و هو لا يدري ماذا يصنع هنا وقد اجتمع إليه الناس من كل البادية و حول المدينة ،
فقال الوزير: إن السلطان حضر للزيارة وأحضر معه أموالاً لتوزيعها على سكان المدينة النبوية فاكتبوا من عندكم من القوم وأحضروا أهل المدينة كلهم،
فحضر الناس وجعل يوزع الأموال ويعطي الهدايا،
وكل من حضر ليأخذ يتأمله السلطان ليجد فيه الصفة التي أراها له النبي صلى الله عليه وسلم فى المنام
وقد انطبعت فى ذهنه كما الصور فلا يجد الصورة إلى أن انقضت الناس،
فقال السلطان: هل بقى من أحد؟ قالوا: لا، فقال: تفكروا يا إخوتي وتأملوا،
فقالوا: لم يبق إلا رجلان من بلاد الأندلس مغربيان لا يتناولان من أحد منا أو من أحد شيئًا وهما صالحان غنيان يكثران من الصدقة وأعمال الخير في كل يوم و منذ وصولهم ..
انشرح صدر السلطان و فرح بالأمر فقد أقترب مرادة وقال: على بهما،
فرآهما، فإذا هما الرجلان اللذان أشار إليهما النبى صلوات ربي وسلامه عليه بقوله لنور الدين: أنقذني من هذين،
فقال لهما السلطان : من أين جئتما؟ قالا: من بلاد المغرب و قبلها الأندلس، جئنا حاجين فاخترنا المجاورة والسكن بالمدينة النبوية،
فقال: أصدقاني، فسكتا على ذلك،
فقال للناس : أين منزلهما؟
فأخبر بأنهما بمنزل قرب الحجرة الشريفة فأمسكهما السلطان وخرج إلى منزلهما فوجد مالا كثيرًا جدًا و ذهب ومصحفين وكتبا في الرقائق،
ولم ير شيئًا، فأثنى عليهما أهل المدينة بالخير و أدائهم للصلاة دائمًا، وزيارة البقيع في كل يوم،
وقُباء كل سبت، وبقى السلطان حائرًا يطوف بالبيت بنفسه فرفع حصيرًا في البيت فرأى تحته سردابًا محفورًا إلى جهة الحجرة الشريفة فارتعب الناس لذلك،
فقال لهما السلطان: أصدقاني حالكم، فأكثروا من إنكارهم بمعرفة أمر ذلك السرداب فأمر السلطان بضربهم على حجتهم فاعترفا بأنهما مسيحيي من بلاد الفرنج
عاشوا قرب الأندلس بعثا في زي مغاربة للاحتيال على تنفيذ جريمتهما التي سول لهما الشيطان أن يفعلاها
و ظنا أن بالإمكان تنفيذها، فلما اعترفا وظهر الحق سجد السلطان نور الدين لله تعالى شكرًا،
ثم أمر بضرب أعناقهم،
ثم أمر بحفر خندق عظيم من كل الجهات على الحجرة الشريفة حتى بلغ الماء في اسفله
فجعل فيه الرصاص المذاب ليكون حائطًا وسورًا داخليًا على الحجرة الشريفة المطهرة .
و عن المحاولة الرابعة فقد حدثت سنة 578 هـ،
حين قامت مجموعة من مسيحيي الشام كانوا بالأصل روم كانوا قد وصلوا البحر الأحمر وقتلوا عددًا من المسلمين في طريقهم لبيت الله الحرام،
وكان هؤلاء الروم عازمين على التوجّه للمدينة المنورة و الفتك بأهلها وإخراج جسد النبي محمد صل الله عليه وسلم من قبره و أخذه إلى بلادهم،
حتى إذا كانوا قرب المدينة المنورة أدركهم قوم من مصر كانوا في جمع غفير حينها مسلحين فلما علموا بأمر هؤلاء
احتدم بينهما النزال فقتل المصريين الروم و فتكوا باغلبهم وأسروا من بقى على قيد الحياة
و أخذوهم في طريقهم إلى المدينة حيث كان السجن أبد الحياة مصيرهم أو الموت و قد اختلفت هنا الروايات..
ووقعت المحاولة الخامسة و الأخيرة المسجلة بكتب التاريخ في منتصف القرن السابع الهجري،
عندما حاول أربعون رجلاً من مدينة حلب في سوريا إخراج جسد النبي أبي بكر وعمر بن الخطاب،
وذلك بعد أن بذلوا لأمير المدينة المنورة و اعموه بالأموال الكثيرة،
وطلبوا منه أن يمكّنهم من فتح الحجرة النبوية الشريفة المطهرة فلما اقتربوا من الحجرة النبوية ،
حدث أمر عظيم فزلزلت الأرض من تحتهم و ابتلعتهم الأرض ولقد وردت آثار بالسلف الصالح وأحاديث تفيد بأن الملائكة يحفون بالقبر الشريف ليلاً ونهارًا،
ويصلون على سيدنا محمد صل الله عليه وسلم،
أما عن الحجرة النبوية الشريفة فقد مرت بالعديد و العديد من الإصلاحات والترميمات المختلفة..