ورأى أن حياته مستمدة منها ولكن ليس بدون ثمن ؛ فالمطر الذي يسقط ليحي الأرض ويفجر الينابيع
قد يصبح سيولا تغرق وتدمر ؛ والهواء الذي نتنفس قد يصبح عاصفة هوجاء تقتلع وتدمر ؛ والغيم الذي يمنح المطر
يتفجر بالرعود والصواعق القاتلة ؛ وهكذا فإن إله الخصوبة ليس إلها للرحمة فحسب بل هو إله النقمة والعذاب ؛
يمنح الحياة والموت والسعادة والشقاء والغنى والفقر..
فكيف تصدر هذه الأشياء المتناقضة عن إله الخصوبة
الذي بدا لهم حينا بصورة شيخ حكيم يرقب الأرض من عليائه ؛ إنه إيل اللطيف
وقد تجاوز مرحلة الشباب فشخصوه بصورة شيخ وقور ذي لحية بيضاء ؛ إنه آبو لدى الأكاديين والبابليين والآشوريين
كما هو إيل عند الكتعانيين وبدا لهم بدرا بصورة أم بتول حسناء تغدق الحب والخير ولكنها لا تتورع عن قتل بنيها ..
إنها سخمت لدى المصريين وعشتار لدى البابليين وعناة عند الأغاريتيين وتانيت عند القرطاجيين ؛ وشخصوه بدرا ايضا بصورة شاب مراهق أوتي مقدرة جنسية كبيرة كما أوتي السيطرة على الغيوم والعواصف والأمطار.
إنه البعل الأمير الذي تكتمل لديه قوته الإخصابية في سن الرابعة عشر من كل شهر ولكن مع رعونة وغرور مما يدفعه إلى الصراع مع أخوته ومع أبيه الشيخ ؛ أليس هذا ما يفعله الفتيان المراهقون والفتيات حين تنضج لديهم طاقة الخصوبة
فيتمادون على الأب والأم ويتنافسون ولا يهدؤوا إلا بالزواج ؛ هذا هو سر الخصوبة في الإنسان والحيوان وحتى النبات..
فحين تنمو الفسائل الصغيرة على جذع الشجرة الأم لا تلبس أن تمتص غذاءها وماءها فتشب عن الطوق بينما جذع الشجرة الأم ينخر ويتفسخ وهكذا فهو ( إله الخصوبة) الأب الشيخ ؛ والزوجة عشتار؛ والأبن البعل؛ وحين وجد الأقدمون
أن زئير الأسد هو الأكثر شبها بزئير الرعد تخيلوا إله الخصوبة أسدا مجنحا رابضا او نسرا برأس أسد أفرد جناحيه
في الفضاء وراح يزأر مالئا الفضاء بصوته؛ هكذا تخيل البابليون الإله ( زو) الذي يعني في العربية الزوج البعل
كما تخيله قدماء المصريين( أبو الهول) وجه الأم الكبرى على جسد الأسد رمز القوة والزئير
..والجدير ذكره أن للأسد في العربية أكثر من / ٤٦٠/ أسما هي في الحقيقة أسماء أبي الهول جميعا .
بينما نجد الفينيقيين يمثلون عشتار حسناء فاتنة تقف على ظهر أسد وبيدها سنابل القمح
وتقرأ في الآثار النذرية لقرطاج : إلى الربة تانيت وجه البعل حامون أي صورة الأم الكبرى على وجه البعل حاء+moon ( حاء تعني: الكريم) أي قمر الخصوبة والكرم.
وهكذا تعلم الإنسان من الطبيعة؛ أذناه تلتقطان الأصوات عيناه تسرحان في كل اتجاه ؛ عقله وقلبه جاهزان؛ يتعامل
مع كم هائل من المجاهيل حوله؛ بعقل طفل وقلب شاعر ؛ وحين سرح عينيه في أرجاء الطبيعة وقفتا عند القمر أكثر
من اي شيء في الكون ووجدتا فيه الأسرار والألغاز والتناقضات مما جعل الإنسان شديد الحيرة واللهفة.