تصحيحُ المسارِ (1)

تصحيحُ المسارِ (1)
تصحيحُ المسارِ (1)


بقلم الدكتور عمران صبره الجازوي

جاءَ عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ – رضي الله عنه – قال : خطَّ لنا رسولُ الله – ﷺ – خطاً . ثم قال : ” هذا سبيلُ اللهِ . ثم خطَّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال : ” هذه سبلٌ على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه.وقرأَ { وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبلَ فتفرَّقَ بكم عن سبيله } الآية.رواه أحمد ، والنسائي ، والدارمي . فالطريقُ إلى اللهِ – تعالى – مستقيمٌ لا اعوجاجَ فيه بيْدَ أنَّه أحياناً نتنكبه ، ونحيدُ عن جادةِ الصوابِ.وننحرفُ عنها وساعتئذٍ يتوجبُ علينا تصحيحُ المسارِ ، وتقويمُ ما اعوجَّ.وتصحيحُ ما فسدَ إذا كنا نريدُ الوصولَ إلى اللهِ حقاً ، وهناكَ جملةٌ من الأمورِ التي إن اعتقدناها نكونُ قد خالفنا منهجَ اللهِ الذي اختطه لنا.وحُدنا عنه

ومن أهمها ما يلي :

1-إذا كنتَ تعتقدُ إنك تستطيعُ الاستغناءَ عن اللهِ
فلقد حدتَ عن جادةِ الصوابِ ، ولابد لك من تصحيحِ المسارِ .لأنك صنعته وهو صانعك ، وخلقته وهو خالقك ، وهو القيَّمُ على كلِ نفسٍ بما كسبتْ .فلا حياةَ لك بدونه ، ولا غنى لك عن إعانته .

2-إذا كنتَ تعتقدُأنه لا يراكَ فالخللُ في إيمانك . جاءَ في الحديث القدسي :” يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم.وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فَلِمَ جعلتموني أهون الناظرين إليكم.” ؟ فلقد حدتَ عن جادةِ الصوابِ ، ولابد لك من تصحيحِ المسارِ ؛ وأن تعبده كأنك تراه ، فإن لم تستطعْ أن تعبده على هذه المنزلةِ.وهذه أعلى وأرفعُ – فاعبده على المنزلةِ التي تليها ” فإن لم تكن تراه فإنه يراكَ “.

3-إذا كنتَ تعتقدُ أنَّ ثمةَ وسائطَ بينك وبينَ اللهِ فلقد حدتَ عن جادةِ الصوابِ ، ولابد لك من تصحيحِ المسار. لأنَّ صحابةَ رسولِ اللهِ ﷺ – كما قالَ عبدُ اللهِ بنُ عباس – ما رأيت قوماً خيراً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلها في القرآن.يسألونك عن المحيض، يسألونك عن الشهر الحرام، يسألونك عن اليتامى .إلخ وجاءت إجاباتها من السماءِ مبتدئةً بقوله تعالى : { قل } .ولما جاءَ عندَ قوله تعالى :{ وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أجيبُ دعوةَ الداعِ إذا دعانِ.سورة البقرة آية –186فلم يقلْ له : قلْ ، بل ألغى الواسطةَ بينكَ وبينه.ليعلمكَ بأنك لستَ بحاجةِ إليها ، فبابه مفتوحٌ لا يُوصدُ ، وطالبه مجابٌ لا يُردُّ .

4-إذا كنتَ تعتقدُأنَّكَ تستطيعُ الاكتفاءَ بالقرآنِ والاستغناءَ عن السنةِ
فلقد حدتَ عن جادةِ الصوابِ ، ولابد لك من تصحيحِ المسارِ .لأنه إذا كانَ القرآنُ قد وضعَ القواعدَ والأسسَ العامةَ للتشريعِ والأحكامِ .فإنَّ السنةَ قد قامتْ بتفصيلِ هذه القواعدِ ، وتوضيحِ تلك الأسسِ.وفرَّعتْ الجزئياتِ على الكلياتِ ، وأوضحتْ مجملَ القرآنِ ، وخصصتْ عامَّه .وقيدتْ مطلقه ، ولقد حذَّرَ النبي – ﷺ – من ذلك ما جاءَ عَنْ عُبَيْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ. عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ – ﷺ – قَالَ: ((لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ. فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ .” رواه البخاري في التاريخِ الكبيرِ ، وأحمدُ في مسنده .وابن ماجه في صحيحه . وجاءَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ. – ﷺ -: ((أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ. أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ ح حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ. وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ … ” أخرجه ابن ماجه في صحيحه ، وأحمدُ في مسنده .

5-إذا كنتَ تعتقدُ أنَّكَ تستطيعُ الوصولَ إلى اللهِ دونَ الاقتداءِ بهدي النبي – ﷺ – ، ولزومِ غرزه
فلقد حدتَ عن جادةِ الصوابِ ، ولابد لك من تصحيحِ المسارِ ؛ لأنَّ اللهَ – تعالى – يقولُ لنبيه .- ﷺ – : ” وعزتي وجلالي لو أتوني من كل طريق أو استفتحوا من كل باب لما فتحت لهم حتى يدخلوا خلفك. ” ابن القيم : جلاء الأفهام ص 441 ، ويقولُ الجنيدُ – رحمه اللهُ – : الطرق كلها مسدودة إلا طريق من اقتفى آثار النبي. – ﷺ – ابن القيم : طريقُ الهجرتين ج/1 ص 9.

6-إذا كنتَ تعتقدُ أنَّ الأولياءَ أعلى رتبةً من الأنبياءِ
فلقد حدتَ عن جادةِ الصوابِ. ولابد لك من تصحيحِ المسارِ ؛ لأنَّ الأولياءَ ما تحققتْ ولايتهم إلا باتباعهم للأنبياءِ. صلواتُ الله وسلامه عليهم أجمعين – ، ولقد ذكرَ اللهُ في كتابه العزيزِ مراتبَ الكمالِ في العبادةِ. فكانتْ مرتبةُ النبوةِ أعلاها ، ومرتبةُ الولايةِ أدناها . قال تعالى :{ ومن يطعْ اللهَ والرسولَ فأولئكَ مع الذينَ أنعمَ اللهُ عليهم من النبيينَ. والصدِّيقينَ والشهداءِ والصالحينَ وحسنَ أولئكَ رفيقاً .} سورة النساء آية-69 فلا تغترْ بقولِ القائلِ : ” خضنا بحراً وقفَ الأنبياءُ بساحله ” الدباغ : الإبريز ص 267 إذ فيه انتقاصٌ لقدرِ النبوةِ من ناحيةٍ.وتفضيلٌ للأولياءِ على الأنبياءِ من ناحيةٍ أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *