العاشقة المهجورة والشاب المخلص الجزء الثانى

بقلمى الاديب الشاعر/د.إمام عبدالعظيم سليم
مصر 🇪🇬 اكتوبر ٢٠٢١
نجحت المأدبة النجاح كله ونال الشاب منها اكثر مما امل.
ففاز بهذه الفتاة التي لو انفق ما فى جيوبه جميعا لم يكن ليظفر بلقائها.
فلما انسحبا بعد الفراغ من الفاكهة اختارا مجلسا فى البهو واختلسا ساعة للحديث.
وكان حديثٱ لذٱ كأنه قطع الروض .
ثم افترقا على مصافحة اليد ، لا يفتأ يحس الى المساء بأثرها فى يده وكأنما لمستها الكهرباء.
وكان اذ يستذكر دروسة او يقرأ كتبه ، يفكر فيها ابدٱ ويستعيد ذكراها فى نفسه ويرى طيفها مائلا امامه يؤنسه وحدته.
ثم افترقا بغدر الزمان فسافرت الفتاة الى وطنها دون ان تودعه ، وهو لا يعلم سبب هذه الرحلة المفاجئة.
وتنكرت له المدينة وضاقت فى عينيه على رحبها ، وتنقل بين فنادقها ، وعاد الى البنسيون وحاول فتيات من كل جنس.
ولون ان يتصلن به ليخضعن كبرياءه لسلطان الحب فلم يفلحن لشدة عناده وصلابته ولأنه كان منشغلا حقا بحب الفتاة.
وبعد عدة شهور نزح هو الاخر محاولٱ ان ينسى تلك التى رحلت ولم تترك عنوانها ” فلم يفلح فى محاولته.
وفى يوم من ايام الصيف القائظة الشديدة الهجير ترجل الشاب.
وقصد دار البريد ، ثم الى المطعم ، وبدأ فض الرسائل فكان اول ماوقع عليه بصره بطاقة بصورة.
وقد خطت عليها بضعة اسطر:
صديقى العزيز ها أنا ذى فى المدينة مرة اخرى ، وابعث اليك بتلك الرسالة على اجنحة المصادفات.
هل تصلك ام تخطئك ؟ اننى هنا نزيلة فى فاميلى هاوس ” الى بضعة أشهر . كل شئ تغير الا صداقتى نحوك ”
الفتاة على بضع خطوات ! لقد قطع الشوق شهية الطعام ، وتغلب الوجد لرؤيتها على تعبه.
فود لو يذهب من ساعته لرؤيتها قبل ان يذهب الى النزل الذى تعوده .
ثم عاوده التعقل والاناة ، فخير له ان ينزل فى نفس الفندق الذى اتخذته مقرٱ ، ليكون على مقربة منها.
فنهض وحجز غرفة بالتليفون فى الفندق ، ثم امر بنقل متاعه اليه كعادته قبل ان يصل لتكون غرفته على اتم استعداد للقائه.
وقبل الغروب بلحظة وصل الى الفندق وهو يتقلب على اشواك الانتظار ويلوك حنظل الصبر ، فكان هذا اللقاء منذ اربع سنوات.
وعلى مائدة العشاء قلب اجفانه فى الطاعمين والنزلاء _ لأنه لم يشأ أن يسأل احدٱ عن صاحبته التى لم يكن يراها منذ اربع سنين.
خشية أن يثير الظنون ، فلم يجدها فهم بمغادرة المكان دون أن يأكل ، وانه لكذلك وإذا بها تقبل فى حياء.
وقد لبست السواد وعلى ثوبها زينة من الخرز الاسود جعله فتنة الناظرين.
ولكنها كانت مصفرة اللون ، كالعاج وفى عينيها شبه ذهول فلم تلق نظرة على احد ولم يأخذ بصرها بالشاب المترقب الذائب
فعلل اغضاءها بدهشة القادم . وسره أنه لم يهف بالتسرع فى السؤال او الانصراف ، ولكنه لم يأكل الا قليلٱ من كل صنف.
ليتمكن من اللحاق بها لدى نهوضها ، وكانت عند ظنه بها فنهضت وحيت وانصرفت وانفلت فى اثرها.
فرآها تنحدر فى الدرج دون ان تلوى على احد ، فتتبعها ولم يشأ ان يفاجئها على السلام ، فصبر حتى صارت فى بهو فسيح مفروش بالطنافس ثم دخلت الى مخدعها وغلقته وراءها.
فوقف الشاب يعد انفاسه قبل ان ينقر على الباب نقرة خفيفة ففتحت له سيدة فى العقد الخامس خمرية اللون ذات وقار ومحاسن سالفة ، فحياها وسأل عن الفتاة.
فابتسمت وقالت لا أعرف وفى تلك اللحظة تكلمت الفتاة من الداخل بصوتها الملائكى وقالت: هنا ! اتفضل واسرعت للقائه فرأى فى ضوء الغرفة حمرة فى خديها وبريقٱ فى عينيها لم يكونا لدى العشا.
وكانت الغرفة واسعة ولها شرفة فخمة .. فدعته الى الجلوس فيها ثم عرفته الى السيدة التى فتحت له الباب.
وقالت انها والدتها وقد صحبتها لتقضى بضعة ايام هنا ، ثم رجتها ان تصنع للضيف قدحٱ من الشاى ومر الشاب فى طريقه بسرير صغير فيه طفل نائم.
فنظر اليه ثم انحنى عليه فإذا به مريض.. فنظر الشاب الى وجهها فأيقن ان الطفل طفلها ، فلم ينطق بكلمة.
واخذ مكانه فى الشرفة فى صمت وأحس بأنه فى جو قاتم ، وان الفتاة تحاول ان تظهر السرور بلقائه وتبطن ما تعانى من ضنك وألم .