أنا الإنسان والآخر:

دنيا ودين

أنا الإنسان والآخر:

roqyah2010@gmail.com 6 دقيقة قراءة 7 مشاهدة
روتانا نيوز

أنا الإنسان والآخر:

بسم الله الرحمن الرحيم

انا الإنسان جوهرة في داخل كل إنسان تساوت فيها البشرية في خلقها وقواها الكامنة منذ بدء نشأتها ؛ فمنا من غناها ومنا من اهملها فلم تضل طريقها ؛ لكن نورها حُجب بظلمة الشر ؛ حَجبَ إقصاء لا حجب تغييب أو إظهار أو إلغاء؛ فكان ما كان من حاكمية الشر ولم يكون حاكمها وإن حوكمت بفعله لتقصيرها وإن انتصرت ” انا ” بفعل المعرفة والإيمان قيدت الأنا في داخلها وأحالتها إلى ركام أو حطام.
” أنا” الإنسان المفطور على الخير الموهوب بالعقل القانع المؤمن الساعي لما يحتاج بما يحتاج في يومه بما توفر له من سبل لديه ناظرا إلى غده بعين الرأفة والثقة بمن أوجده ويسّر له رزقه ؛ وغداً له رب يرعاه ؛ يرى أنا في الآخر في كل زمان ومكان ؛ في الآخر الخارج من عالم البرزخ كما خرجت؛ والمطبوع كما طبعت ؛ والموهوب كما وُهبت ؛ والحامل كما حُملت ؛ والداخل إلى الكون كما دخلت؛ والخارج منه كما خرجت..فأنا هو وهو انا في كل وجودنا إن أحسنا الإتجاه إلى بارئنا وخالقنا وعرفنا علتنا وسبب وجودنا وطرق اختبارنا واختيارنا ؛ وقرأنا ماضينا وحاضرنا كجنس ونوع في كل وجودنا من آدم أبينا إلى يوم التلاق؛ ذاك اليوم الذي لا مفر منه ولا مناصر ؛ ولفهمنا بأن لكل امرؤ ما سعى وسعيه سوف يرى ؛ فَسَعَتْ ” انا” الإنسان ب” انا” الآخر وليس لها سعي إلا به ؛ فهو عبوري وأنا ممره ؛ فأنا هو وله وهو سبيل نجاتي فكان مني كأنا.
قال الإمام ع:” وواتر إليهم أنبياءه لما خصّهم به من وحيه ؛ وجعلهم حجة له على خلقه” ليستأوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته”..
أرسل الله سبحانه الرسل إلى الإنسان لتقويم اعوجاجه ولحظة العودة إلى أنا” الإنسان” المودعة في بشريته بعد أن طغت عليها ” الأنا” الفتاكة في النفوس والمجتمعات ؛ آخذين طريق تذكير الإنسان “الميثاق” الذي أخذه الله عليهم في عالم البرزخ؛ وحضهم العودة إلى فطرتهم التي فطرهم الله عليها ” فطرة الخير” ومن استجاب كان الحب والعطف والرجاء والأمل والتباذل طريقه ؛ وكلها من مكونات الفطرة في ” انا” الإنسان والعقل والأدب والتراحم والسعي كلها قائمة في ” أنا ” و” أنا” الآخر إن أحسنا سبر غور وجودنا ؛ وقيام إنسانيتنا في بشريتنا كقيام الصفات بمواقعها ؛ ولا قيام لاحدنا بمعزل عن الآخر…
هكذا قرأت “انا” كل ما هو مختلف في طباعه وشدّه وجذبه وطمعه وحسده وحركته وسكونه في داخلي يختلف عن مكونات” انا” الإنسان فهو الآخر في داخلي ..
الآخر: الأخطر والعدو اللدود هو الآخر القائم في نفسه وبنفسه المتمثل “بالأنا ” تلك النزعة المتملكة في النفس القائمة على شغفها وعشقها لغنى تفقده؛ ولقوة لا تملكها؛ ولخلود تضمره؛ كما فعل إبليس بآدم وحواء وهما في عالم البرزخية في الجنة..
والآخر: هو الكامن في ” الأنا ” المتخفية وراء جدران كيان مخلوق آخر؛ فمن أنا؟ ومن هو؟ ذاك الذي ارتبط وجودي بوجوده علة وسببا وقياما وفناء وحاجة؛ فكل منا قامت” أناه”في كيانه ليكون عونا إلى ” أنا” الآخر فلا قيام لمجتمع تحكمت فيه”الأنا” فهي مدعاة إلى الفرقة ؛ والمجتمع المطلوب هو المتكونومن ” انا” الإنسان فهي داعية إلى الوحدة ؛ والآخر طرف من أطراف العقد الإحتماعي التضامني بحقوقه وواجباته وهو بالتالي قائم بكل مقومات الرقي والحضارة والمدنية في ” انا” الإنسان.
وكذلك الآخر هو كل ما هو خارج عن” انا” في هذا الوجود من جماد ونبات وحيوان وإنسان وما بينهما من اجناس وأنواع كل مترابط وجودا بوجود.
الطير بحاجة للحَب ؛ والحب يحتاج إلى تراب لينمو والتراب عناصر وعناصر ؛ والإنسان بحاجة لها جميعها ؛ وكذلك تلك المكونات لا تستطع عمارة الأرض ولا أن تسعى إلى الرقي إلا بفعل الإنسان المتكون من ” انا” صاحب الإعتدال مبتعدا عن الجود والتجبر على نفسه وعلى أخيه وعلى المكونات الأخرى.
فا” الأنا” مدمرة للموجودات حابسة عن الناس الخيرات؛ حاجتها محدودة ؛ أطماعها غير مقيدة تفتك بالصغير فيدين لها الكبير خوفا ؛ دون أن يكون للعقل فيها تدبير ؛ ولا للصبر والعلم والمعرفة فيها مقام الأمير ؛ فجهلها أودى بها أبشع مصير..
فمن أحسن حب نفسه سعى إلى مجده الروحي ؛ فاخرجها من العبودية والذل للمادة المسخرة لها ؛ إلى فضائها الكوني الرحب ؛ فحررها من قيود الطبائع ونزوات الغرائز؛ وحبال الشهوات لتكون خاضعة له بحريتها لتحررها من العبودية للمادة؛ فخرج من طور الوسوسة إلى مرحلة التلاوم وإن استمرت بارتفاع أضحت مطمئنة ؛ يا لها من نهاية مرجوة..
لنبحث بروية اين كان الإنسان فإن أحسنا قراءة تراثنا الفكري نصل إلى الحقيقة ؛ وقد سهل لنا الإمام ع .. مهمة الوصول لما نسأل فقال: عندما سئل عن العالم العلوي صور عارية عن المواد ؛ خالية من القوة والإستعداد ؛ تجلى لها فأشرقت ؛ وطالعها فتلألأت ؛ وألقى في هويتها مثاله فأظهر عليها أفعاله ؛ وخلق الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكاها بالعلم والعمل؛ فقد شابهت في جواهرها أوائل عللها ؛ وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع شداد ” من صحيفة الأبرار”.
ربما يسأل سائل هل بعد الموت الأرضي نعود إلى ما كنا فيه من عالم علوي ؛ يجيب الإمام ع” خلقتم للأبد وإنما تنقلون من دار إلى دار” ” الحقائق الفيض..قرة العيون”.
ولم يتركنا الإمام الصادق ع ..أن نفكر كيف سنرى بعضنا بعضا هناك فقال: إن الأرواح بعد الموت في صفة الأجساد تتعارف وتتساءل ؛ وقال ع: إن الأرواح مقيمة مكانها ؛ روح المؤمن في ضياء وفسحة؛ وروح المسيء في ضيق وظلمة والبدن يصير ترابا..
ولو جئنا إلى العلم الحديث قال الدكتور” دين رادين: في كتابه الظواهر الروحية الخارقة عن حالة واحدة بأنهم احضروا روحا ضالة وسألوها عن حالها قال منذ مئتي عام وأنا في ظلمة قاتلة أرجوكم أن تدعوا لي الله بأن يفرج عني ؛ وقام رجل الدين مع من كان في الجلسة بالدعاء له فأحضروا الروح بعد شهرين الحمد لله أصبحت ارى اخي..
وقال الصادق ع: إن الأرواح لا تمازج البدن ولا تداخله ؛ وإنما هي كالكل للبدن محيطة به؛ وعنه ايضا ع: مثل المؤمن كمثل جوهرة في صندوق إذا خرجت منه طرح الصندوق ولم يعبأ به..وقال ع: إن الميت يزور أهله في كل يوم او يومين أو ثلاثة او جمعة أو شهر او سنة على قدر منزلته وعلمه ؛ فينظر إليهم ويسمع كلامهم ؛ ويرى المؤمن ما يحب ويُستر عنه مايكره ؛ ويرى الكافر ما يكره ويُستر عنه ما يحب..
وعن رسول الله ص قال: الأرض لا تأكل محل الإيمان ؛ ولهذا يجب أن نستمع لصاحب الدليل على الطريق المستقيم ..
علي امير المؤمنين ع: لأن العقل يدعونا إلى ان ننتبه إلى نهج الإمام ع في الإنسان ؛ لنبني الإنسان في بشريتنا ليكون في أحسن تقويم كما خلق؛ وننظر إلى إنساننا كعالم له مجموعة من المكونات إن رُشدت كل تلك المكونات فيه وأحسن بناء مداميكها بلغ درجة عالية من الكمال الإمكاني ؛ وإن لم يستطع اقترب أو ابتعد عن إنسانية الإنسان بقدر ما تحقق من صفاته.. الظاهرة والباطنة من تلك الصفات ؛ وإن اردنا إنصاف انفسنا والكلمة التي نقرأها علينا أن ننظر إليها بمنظار البصيرة والعلم وهذا يفرض علينا إذا ابتغينا سواء السبيل وأردنا تقصي معاني الكلمات ومقاصدها ومضامين الإشارات ودلالاتها نظرنا إلى المفهوم المشترك بين الشرح اللغوي المنطلق من معناها وفق علماء اللغة للكلمة ومدلولها من حيث موقعها من الخطبة او القول أو الحكمة ؛ وقد وجب علينا الأخذ بعين الإعتبار صفة المتكلم فهو ” أمير المؤمنين ع” فلنتجه متوسلين على بابه.
كل الإحترام والتقدير والشكر للإستاذ محمد احمد علي الذي كان سباقا في وصف الإنسان والآخر..
الأديب الباحث: غسان صالح عبدالله